Press "Enter" to skip to content

اليمن والأمن القومي السعودي: من الثورة والتحولات السياسية إلى الحرب وسقوط الساحل الغربي

اليمن المعاصر وُلد مع ثورة 26 سبتمبر 1962، التي أسقطت النظام الدكتاتوري في شمال اليمن. كان هدف الثورة إنشاء دولة ديمقراطية علمانية تحفظ العدالة الاجتماعية، وفي الوقت نفسه دعم الثورة في عدن والمناطق الجنوبية من اليمن لإسقاط الاحتلال البريطاني.
منذ نشأة الدولة اليمنية المعاصرة، استشعرت المملكة العربية السعودية خطر النظام الديمقراطي وتمدده إلى أراضيها. لذلك، اعتمدت السعودية مقاربتين مختلفتين للأمن القومي في الجزيرة العربية.
الأولى هي المقاربة الواقعية (Realist approach) مع اليمن ، التي تقول إن أي دولة، إذا أرادت ضمان أمنها الوطني، فلا بد أن تضعف الآخرين باستخدام القوة. وهذا ما فعلته المملكة في اليمن بالوقوف ضد الثورة اليمنية، ومن ثم دعم الانقلابات ضد النظام القومي في الشمال والنظام الماركسي في الجنوب، وشراء ضمائر رجال القبائل والسياسيين ورجال الدين، إلخ. ولكن التاريخ أثبت فشل هذه المقاربة، كما في حروب نابليون بونابرت وأدولف هتلر مع الدول المجاورة. ومن ناحية أخرى، اعتمدت المقاربة الليبرالية (Liberal approach) مع دول الخليج الملكية الأخرى، والتي تقوم على أن أي دولة، إذا أرادت ضمان أمنها الوطني، فلا بد أن تعزز علاقاتها التجارية والثقافية والسياسية مع الدول المجاورة، مثل دول الاتحاد الأوروبي.
في البداية فشلت السعودية في كبح الثورة اليمنية، لكنها أسقطتها مع مرور الزمن، خصوصًا عندما دعمت اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي وإسقاط ثورة 26 سبتمبر في نهاية السبعينيات، على يد مجموعة من المرتزقة العسكريين والقادة القبليين والمتطرفين المدعومين من السعودية، وأصبح الأمن القومي اليمني مجرد شعار.
هذا النضام السياسي الجديد أدى إلى إقصاء المفكرين والمثقفين عن صناعة القرار، وظهور جيل جديد من القيادات المتطرفة والفاسدة التي بددت ثروة الدولة ومزقت النسيج الوطني في الشمال.

الوحدة في عام 1990 بين الشمال والجنوب

بعد الوحدة في عام 1990 بين الشمال والجنوب، التي مهد لها القوميون في الشمال والماركسيون في الجنوب، قام نظام صالح والإخوان بإزاحة كافة المنافسين في الشمال والجنوب. وبموازاة ذلك، نجحت السعودية في نشر المذهب الوهابي في مناطق السنة الشوافع والشيعة الزيدية، واستخدمت المال والقوة الناعمة الدينية في نشر هذا المذهب، عبر مراكز دينية وحركات الإسلام السياسي، مثل الإخوان المسلمين، الذين تحالفوا مع نظام علي عبد الله صالح ضد القوميين، وحكموا اليمن لمدة 33 سنة. لكن في المناطق الشيعية ظهرت حركة مقاومة فكرية في منتصف الثمانينيات، وهي حركة الشباب المؤمن، وهي النواة الأولى لجماعة أنصار الله الحوثية. ومع مرور الزمن، تحول الصراع الفكري إلى صراع عسكري في جبال شمال اليمن.

الربيع العربي

في عام 2011 بدأت ثورات الربيع العربي وامتدت إلى اليمن. كان جزء من هذه المظاهرات عفويًا، بينما كان الجزء الخفي، مدعومًا من أجهزة الاستخبارات الغربية بهدف رسم شرق أوسط جديد. في اليمن استغل الإخوان الموقف وفصلوا الشراكة مع النظام السابق لعلي عبد الله صالح و سقط النضام في ٢٠١١. ومن أجل الانتقام، قام النظام السابق بتسهيل سيطرة الحوثيين الموجودين في الجبال الشمالية على العاصمة في عام 2014، وهرب كثير من السياسيين. مما دفع السعودية إلى تشكيل حلف دولي ضدهم وتشكيل مجموعات مسلحة لمحاربتهم.

عاصفة الحزم

شكّلت عاصفة الحزم عدة دول إسلامية بدعم غربي كبير، بقيادة السعودية والإمارات. كما أن الدولتين أنشأتا قوى عسكرية وأطرافًا أخرى كانت موجودة على الأرض، وكل منها يحمل أفكارًا ومشاريع مختلفة عن الآخر، منها الانفصاليون في الجنوب، والإخوان المسلمون، والسلفيون، وبعض القبائل. على المستوى السياسي، جمعت فلول النظام السابق والمعارضين، وأنشأت حكومة في الرياض، كان عملها توقيع وتبرير التدخل العسكري ضد الحوثيين. دامت الحرب من 2014 إلى 2022. في هذه الفترة تشكلت قوى استطاعت تحرير 60 بالمئة من الأراضي، لكنها كانت تشمل مناطق صحراوية وجزرًا. في تلك المنطقة يعيش 4 ملايين نسمة، ولا توجد أي خدمات، مع انعدام الأمن بسبب انتشار المليشيات. أما في مناطق الحوثيين، فيعيش أكثر من 25 مليون مواطن. استطاع الحوثيون إدارة المناطق بشكل أكثر مهنية من المناطق الأخرى غير المحررة.
بعد أكثر من عشر سنوات، كانت النتيجة فشلًا ذريعًا للتحالف، رغم القدرات العسكرية الضخمة والتفوق الجوي. وكانت النتيجة أن عدد المقاتلين الحوثيين ارتفع من 20 ألفًا إلى نحو 200 ألف، وأن الصواريخ التي كان مداها 200 كيلومتر أصبحت بمدى 2000 كيلومتر، بدعم من خبراء محليين وإيرانيين. كما اكتسبوا مهارات التمويه، وغيرها، وأنشأوا جيلًا جديدًا يعمل وفق عقيدتهم القتالية في المدارس. وفي الجانب الآخر، عانت المناطق الخاضعة للحكومة والقوى المتحالفة معها من الانقسام السياسي والعسكري وتعدد مراكز النفوذ، إضافة إلى تدهور الخدمات وانتشار الفساد. كما أدى تعدد القوى المدعومة من السعودية والإمارات إلى ظهور مشاريع سياسية وعسكرية مختلفة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، بما في ذلك المشروع الانفصالي في الجنوب. وقد أسهم التنافس بين هذه القوى في إضعاف قدرتها على العمل ضمن قيادة عسكرية وسياسية موحدة. وفي الوقت نفسه، أدى استمرار الحرب إلى تفاقم الأزمة الإنسانية. ووفق الأمم المتحدة، ظل اليمن يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم؛ إذ يحتاج أكثر من 18 مليون شخص إلى المساعدات والحماية الإنسانية، ويعاني نحو 17.6 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، بينما يبلغ عدد النازحين داخليًا نحو 4.5 مليون شخص.

7 أكتوبر

بعد أحداث 7 أكتوبر، لعب الحوثيون دورًا مهمًا في الحرب الفلسطينية الإسرائيلية، وقصفوا المطارات الإسرائيلية وأغلقوا باب المندب أمام السفن الإسرائيلية، مما رفع من شعبيتهم في الوطن العربي على حساب السعودية.
وأدى ذلك إلى تدويل إضافي للصراع اليمني، إذ أصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءًا أساسيًا من المعادلة الأمنية الدولية. وفي الوقت نفسه، أدت هذه التطورات إلى تدخلات عسكرية دولية جديدة ضد أهداف حوثية داخل اليمن، الأمر الذي جعل الصراع اليمني مرتبطًا بصورة أكبر بالصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط. وخلال الفترة بين 2022 و2026، عملت الحكومة اليمنية والقوى المتحالفة معها على إعادة تنظيم قواتها العسكرية والاستعداد لاحتمال عودة المواجهات. وفي المقابل، استمر الحوثيون في تطوير قدراتهم العسكرية وتعزيز سيطرتهم على المناطق الخاضعة لهم. أما المعسكر المناهض للحوثيين، فظل يعاني من تعدد الفصائل واختلاف المصالح بين القوى المدعومة من الرياض وأبوظبي، وهو عامل مهم لفهم صعوبة بناء جبهة عسكرية وسياسية موحدة.

الذكاء الصناعي و حرب لبنان

اشتعال الحرب بين حزب الله و اسرائيل اضهر التحول النوعي الخطير بنسبله الحروب الذكية، علي سبيل المثال في السابق,إذا أرادت وكالة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية جمع المعلومات بالطريقة التقليدية وتحليلها وضخها إلى القيادة العامة عن حزب الله، فإنها تستخدم أولاً أربع طرق تقليدية لجمع المعلومات:
▪ استخدام استخبارات الصور (IMINT) لتحديد مواقع أعضاء حزب الله ومواقعهم.
▪ استخدام استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT) لتتبع المناقشات على الشبكات الاجتماعية وصور أعضاء حزب الله، إلخ.
▪ استخدام استخبارات الإشارات (SIGINT) للتسلل إلى شبكات الاتصالات والمحادثات الهاتفية لأعضاء حزب الله.
▪ استخدام الاستخبارات البشرية (HUMINT) لإعطاء المعلومات قيمة أكبر.
كل وحدة استخباراتية ترسل المعلومات المجمعة إلى الضباط المسؤولين عن تحليل المعلومات، الذين يقومون بتحليل المعلومات ثم يرسلون تقرير عن تقييم الوضع إلى صناع القرار لضرب أهداف حزب الله. هذه العملية التقليدية في العمل الاستخباراتي تستغرق الكثير من الوقت والاستثمار المالي ولديها معدل خطأ مرتفع، مما يؤدي إلى فقدان القيمة المعلوماتية لضرب الهدف الذي يتغير باستمرار.اليوم، بفضل الذكاء الاصطناعي، يتم دمج كافة المعلومات في منصة واحدة تعمل بشكل مشابه لـ ChatGPT، ولكن بشكل أكثر تقدمًا وتعقيدًا. تقوم الخوارزميات المتقدمة للغاية في هذه المنصات بتحليل كمية هائلة من البيانات الضخمة (مثل ملايين الصور والأصوات والنصوص) وتحديد التهديدات والتنبؤ بها بشكل أسرع وبتكاليف أقل وبدقة عالية.
لم يتم تدريب القادة والأعضاء المسنين في حزب الله على ثقافة البيانات والذكاء الاصطناعي، والتي تطورت بسرعة في السنوات الخمس الماضية. على سبيل المثال، يعتقد بعض أعضاء حزب الله أنه إذا استخدموا رقم هاتف مجهول، فلن تتمكن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من تحديد مكانهم. لكنهم لا يعرفون أن الإسرائيليين يمتلكون بصمت عيون وصوت ووجه كل قائد وعضو في حزب الله، مما يسمح بتحديد موقعهم من خلال خوارزميات معقدة للغاية تحلل ملايين المكالمات والرسائل على شبكات الاتصالات اللبنانية المخترقة في ثوانٍ. في الوقت نفسه، تقوم الأقمار الصناعية بمسح ومراقبة الضاحية الجنوبية لبيروت على مدار 24 ساعة في اليوم، ولديها القدرة على اكتشاف المواقع العسكرية أو التحصينات تحت الأرض. بالإضافة إلى ذلك، تم دمج هذه الأقمار الصناعية مع خوارزميات قادرة على تحليل ملايين الصور البشرية والعسكرية ومن ثم تحديد الأهداف في غضون ثوانٍ.
الذكاء الاصطناعي سمح للإسرائيليين بالانتصار على حزب الله، لكن تطبيق هذا النظام في اليمن كان صعبًا بالنسبة للإسرائيليين الذين حاولوا اغتيال قيادات حوثية في اليمن، كما حدث في لبنان. السبب أن الإسرائيليين وحلفاءهم يجمعون معلومات عن النظام الإيراني وحزب الله منذ 40 سنة، بمعنى آخر، يملكون كمًّا هائلًا من المعلومات التي يمكن للذكاء الاصطناعي التعلم منها. وهذا بعكس جماعة أنصار الله، التي كان يُنظر إليها باعتبارها جماعة صغيرة ومتخلفة فكريًا. في الوقت نفسه، فإن كِبَر مساحة اليمن ووعورة جغرافيته، إضافة إلى أسلوب حياة القادة العسكريين الحوثيين، الذين لا يستخدمون الأجهزة الهاتفية الحديثة، ويتنقلون كل يوم من منزل إلى آخر، جعلت عملية استهدافهم أكثر صعوبة.

سقوط الساحل الغربي وباب المندب

أدت التطورات العسكرية الإقليمية في عام 2026 إلى عودة التوتر بصورة أكبر إلى اليمن، وخصوصًا في المناطق الساحلية والممرات البحرية الاستراتيجية. وأصبح باب المندب مجددًا نقطة مركزية في الصراع بسبب أهميته بالنسبة إلى التجارة الدولية وأمن الملاحة.
وفي سبتمبر 2026، سقوط الساحل الغربي وباب المندب بيد الحوثيين بشكل سريع أثار الكثير من التساؤلات حول أسباب هذا الانهيار العسكري. ومن الضروري لفهم ما حدث الإشارة إلى أن الحوثيين بدأوا بهجمات خاطفة، واستخدموا أسلوبًا يشبه إلى حدٍّ ما الأسلوب الأمريكي في حرب العراق، من خلال إطلاق صواريخ باليستية مكثفة على المطارات والموانئ والمعسكرات، ما أدى إلى حالة من الذعر والارتباك في أوساط القوات الموجودة في مناطق الساحل الغربي.
وفي الوقت نفسه، حشد الحوثيون ألوية عسكرية كبيرة في الجبال المطلة على باب المندب، والتي كانت تحت سيطرة قوات محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين والشرعية، وكانت بينها وبين قوات الساحل الغربي حالة من العداء والصراع.
وبشكل مفاجئ، انسحبت تلك القوات من الجبال، وهو ما سمح للحوثيين بالالتفاف على قوات الساحل الغربي، ودفعها إلى الانسحاب من المخا وباب المندب باتجاه مناطق تسيطر عليها قوات أخرى محسوبة على الشرعية، لكنها كانت على خلاف وعداء مع قوات الساحل الغربي. وخلال عملية الانسحاب، جرى الاستيلاء على جزء من أسلحتهم ومعداتهم، بحسب الروايات المتداولة. وقد أدى ذلك إلى نزوح أعداد من القبائل والأسر باتجاه جيبوتي. وباختصار، أرى أن تقدم الحوثيين لم يكن نتيجة تفوقهم العسكري وحده، وإنما ارتبط أيضًا بحالة الانقسام والصراع بين الميليشيات والقوات المدعومة من السعودية والإمارات، والتي كانت محسوبة على معسكر الشرعية نفسه، الأمر الذي أضعف قدرتها على مواجهة الحوثيين بصورة موحدة.

د. نياز قاسم

Be First to Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *